الغزالي
375
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
76 - باب : في الرياضة وفضل أهل الكرامة اعلم أن اللّه عز وجل إذا أراد بعبد خيرا بصّره بعيوب نفسه ، فمن كانت بصيرته نافذة ، لم تخف عليه عيوبه ، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ، ولكنّ أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ، ولا يرى الجذع في عين نفسه ، فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق : الطريق الأول : أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس ، مطّلع على خفايا الآفات ، ويحكّمه في نفسه ، ويتبع إشاراته في مجاهدته ، وهذا شأن المريد مع شيخه ، والتلميذ مع أستاذه ، فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ، ويعرفه طريق علاجه ، وهذا قد عزّ في هذا الزمان وجوده . الطريق الثاني : أن يطلب صديقا صدوقا ، بصيرا متديّنا ، فينصّبه رقيبا على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله ، فما كره من أخلاقه وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبّهه عليه ، فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين . وكان عمر رضي اللّه عنه يقول : رحم اللّه إمرأ أهدى إليّ عيوبي ، وكان يسأل سلمان عن عيوبه ، فلما قدم عليه قال له : ما الذي بلغك عني مما تكرهه ؟ فاستعفى . فألحّ عليه ، فقال : بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة ، وأن لك حلّتين ، حلة بالنهار وحلة بالليل . قال : هل بلغك غير هذا ؟ قال : لا . فقال : أمّا هذان فقد كفيتهما . وكان يسأل حذيفة ويقول له : أنت صاحب سرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنافقين ، فهل ترى عليّ شيئا من آثار النفاق ؟ . فهو على جلالة قدره ، وعلوّ منصبه ، هكذا كانت تهمته لنفسه رضي اللّه عنه . فكلّ من كان أوفر عقلا وأعلى منصبا ، كان أقلّ إعجابا ، وأعظم اتّهاما لنفسه ، إلّا